اخر الاخبار

السبت، 15 فبراير 2020

منهج التفكير الإتحادي الديمقراطي فلسلفة الوسط

منهج التفكير الإتحادي الديمقراطي فلسلفة الوسط

الله . الوطـــــــن . الديمقراطية
رابطة الطـلاب الاتحاديين الديمـقراطيين
جامعة شندي

منهج التفكير الإتحادي الديمقراطي فلسفة الوسط

نجافي نزغ اليمين و إنحراف اليسار
بقلم الشقيق : وليد مرين
لاستيعاب فلسفة الوسط استيعابا كلياً لا بد من إلقاء الضوء على طبيعة تفكيرين سائدين في معظم المنظومات السياسية في العالم وإن بدأ العالم المتقدم يتحلل منهما تدريجياً لصالح أنماط أخرى تتصالح مع طبيعة الانسان السوي وهي الطبيعة المتحركة والمتنقلة في نطاق واسع من التفاعلات الانسانية والاجتماعية والسياسية والآيدولوجية بكامل الوعي والادراك لخصوصياته ..
هذين النمطين هما :
الأصولية والتقدمية
الأصوليين : هم غالباً يمينيون يتمسكون بالتراث وغالبا التراث الديني ويعملون على إعادة إحيائه بصورة أو بأخرى معتبرين ذلك حلاً لاشكالات العصر ويفكرون على هذ الأساس .
كانت الكنيسة في أوروبا تمثل نمط التفكير الأصولي وقد كانت مسيطرة تماما على مقاليد الأمور لعقود طويلة ولا تقبل إطلاقا المساس بسلطتها كما لاتقبل أي عمل أو قول ينافي تعاليمها . وقد اتخذت أساليب عديدة لقمع العلماء والمفكرين الذين تعتبرهم خارجين عن الارادة الكنسية بحديثهم عن أشياء منافية لتعاليم المسيحية كما في حادثة عالم الفيزياء الايطالي جاليليو الذي تحدث علمياً عن أن الشمس هي مركز الكون وليس الانسان كما تقول الكنيسة والأمثلة عديدة على تسلط الكنيسة ووقوفها ضد العلماء والمفكرين .
الحركات الاسلامية في الشرق الأوسط تمثل نموذج آخر لنمط التفكير الأصولي الذي يعتبر العودة إلى جذور الدين و إحياء التراث وفقاً لرؤيتها فيه حل لاشكالات الانسان ويلبي مطالب واحتياجات الانسان .
أما التقدميين فهم غالباً يساريين يرتبطون بآيدولوجيات لا علاقة لها بالتراث وقد اتخذوا مسماهم هذا بدعواهم بحتمية بزوغ فجرهم الآيدويولوجي يوما ما في المستقبل كما يعتقد الشيوعيون مثلاً بحتمية وصول العالم للشيوعية وقس على ذلك .
لعل المتابع الحصيف والمحلل العلمي لهذين النمطين من التفكير يجد أنهما يقومان في المقام الأول على تفاعلات نفسية معينة سيطرت على عقول أصحابها .. فالأصوليين يعيشون في حالة نفسية يطلق عليها في علم النفس ( nostalgia ) أي الحنين للماضي كحنين الاسلاميين لأيام دولة الخلافة وهكذا .. أما التقدميين فهم يطلقون العنان للجانب الفكراني من الوظيفة الفكرية للعقل بلا تفكير ولا إرتباط لا بالتراث ولا بالواقع فينقصون من وظيفة العقل المتحركة والمفكرة باستمرار وتغير وهم بذلك يعيشون حالة من الخيال الآيديولوجي الزائف.
واضح جداً أن الأصوليين والتقدميين وإن بدت الهوة بينهم بعيدة جداً إلا أنهم يتشابهون كثيرا في طريقة التفكير الإنكفائية على أصول معينة فهم بطبيعة الحال لا يستطيعون إطلاقاً التفكير خارج أطر معينة وضعوها لأنفسهم ويعتبرونها مقدسة لا يجب تجاوزها وهذه هي العقائدية السياسية التي أتت كناتج أساسي لطريقة تفكيرهم .. لا يستطيع الاسلامي مثلاً أن يفكر خارج إطار الدين بل حتى خارج إطار المذهب أو الطريقة أو الجماعة الدينية التي يتبعها وهو ما يجعله عاجزاً عن الانتاج الفكري البرامجي الحركي لمعالجة الواقع لأن الابداع لا يأتي إلا بالمقارنة والانفتاح والتواصل والتفاعل وليس بالإنزواء في زاوية عقائدية معينة .. وكذا الشيوعي مثلاً لا يستطيع أن يفكر إطلاقاً خارج إطار الماركسية ولا يؤمن بأن الواقع قد يفند كافة بنود الماركسية بل يؤمن كما أسلفنا بحتمية وصول العالم لنقطة الشيوعية في المستقبل فيفكر على هذا لأساس وهو بذلك يصنع لنفسه دين أو إطار أو سمه ما شئت لا يقبل فيه أي نوع من الاضافة ولا الحذف وإن حدث ذلك فهو للتجميل والبراغماتية ليس إلا . وكذا البعثي مثلا يحصر نفسه في قضية البعث العربي وكذا الناصرية والقومية العربية .... إلخ
إجمالاً نجد أن الناتج الأساسي لهذين النمطين هو العقائدية السياسية التي تنتج بدورها ديكتاتورية عمياء قائمة على رفض الآخر وقمع من لا يواليها والأمثلة كثيرة على ديكتاتوريات صنعتها هذه العقائديات أسالت الدماء وحطمت الشعوب وقهرتها ..
ستالين والشيوعية والاتحاد السوفييتي ..
جمال عبد الناصر والناصرية في مصر..
صدام حسين والبعث في العراق ..
عمر البشير وحسن الترابي (أصولية) والحركة الاسلامية في السودان ..
دعم الشيوعيين والقوميين العرب والناصريين (تقدمية) لانقلاب جعفر نميري على الديمقراطية الثانية في السودان ..
وغيرهم .....
أوجه الشبه بين الأصوليين والتقدميين :
- الأممية:
.. الأخوان المسلمين .. الوهابية .. حزب التحرير .. وغيرهم .. ( هذه منظومات أصولية أممية)
.. الشيوعيون .. البعثيين .. القوميين العرب .. وغيرهم .. ( منظومات تقدمية أممية )
*الأممية تعني إيمان المنظومة بأن أفكارها صالحة لكل زمان ومكان والشخص الأممي يحمل نفس الأفكار في أي مكان يذهب إليه وهذه مثلبة كبرى في حق الأممين الآيدويولوجيين إذ أن البيئة والواقع علمياً لهما أثر فائق في تكوين مفاهيم وأفكار ووجدان الفرد .. فليس لا ئقاً أن نجزم بأن الأفكار التي دعا لها كارل ماركس أو حسن البنا أو ميتشيل عفلق هي الحل مثلاً للإشكالات الموجودة في السودان .. فواضح جداً أن الصراع في السودان لم يكن طبقياً كما تؤمن الشيوعية فجنوب السودان مثلا لم ينفصل لأسباب إقتصادية و إنما كنتاج لصراع سياسي وثقافي متشعب .. كما أن الحركة الاسلامية عندما جاءت بأفكارها للسودان لم يكن إشكال الشعب السوداني دينياً أبدا فالمعضلات التي جعلت الأخوان المسلمين في مصر يطلقون دعوتهم لم تكن موجودة في السودان حينها بل كانت المعضلات الأساسية تتمثل في التنمية والوحدة الوطنية والسلام ورغم هذا جاء الاسلاميون المستلبون ثقافيا ووجدانياً عن السودان والمنكفئين على عقائديتهم المنفصلة بطبيعة الحال عن السودان ونموا في ظل رعاية نظام قمعي ( نظام مايو ) وغياب الخطاب الوسطي المعرفي .. حتى تكمنوا من الاستيلاء على السلطة بإنقلابهم العسكري وشعبوا إشكالات الأمة أكثر فأكثر حتى فقد الوطن وحدته ولم ينعم بالسلام وغابت التنمية الحقيقية .. وهذا كله لأنهم لم يستقوا أفكارهم من واقع السودان و إنما من واقع آخر وآيدولوجيا متصلبة تجاه أصولية ليس لها من برامج ولا أفكار ولا حتى عقليات تصلح لادارة الاجتماع لا في السودان ولا في غيره .
- التطرف والعقائدية :
التطرف هو التطرف سواء كان يميناً أو يساراً وهو سلوك نفسي ينمو كل ما تعمق الفرد في هذه الأطر الضيقة وواصل الإنكفاء عليها حاجباً عن نفسه وعقله كل ماهو مغاير لاعتقاداته وجديد على أفكاره .. والتطرف يولد الديكتاتورية والتسلط ويلغي الآخر بصورة أو بأخرى .. وواضح من الأمثلة سالفة الذكر أنهم جميعا لا يؤمنون بالديمقراطية وأتوا للحكم بإنقلابات عسكرية مختلفة الأشكال .. وبتحالفات مع العسكر ولم يورثوا أنفسهم ولا شعوبهم إلا الخبال .
- السياسة التنظيمية ( السيطرة المركزية )
أي سيطرة المؤسسات العليا على المؤسسات الدنيا وسيطرة المركز على الفروع .. وتتفق كل هذه المنظومات في هذه النقطة خصوصاً مع قيامهم على الأساس الأممي فكان يمكن أن تصدر مركزية المنظومة قرارا لأتباعها في أي بلد كان ووجب عليهم تنفيذه ..
- الجمود الفكري :
لن تستطيع أن تجد مرتكز فكري خالي من الإشارة إلى أصل المنظومة كما لن تستطيع أن تقنع كادر تلك المنظومة بإمكانية التخلي عن هذا المرتكز يوما ً ما ..
إذا سألت الاسلامي مثلاً عن أي شئ فهو يضيف إليه كلمة إسلامي :
الاقتصاد الاسلامي
الهوية الاسلامية
الدولة الاسلامية
المجتمع الاسلامي
........ الاسلامي
وهكذا ..... يضيف لكل شئ كلمة إسلامي .
وكذا الشيوعي أو الماركسي : الاقتصاد : الاشتراكية (الماركسية)
القومي العربي : الاشتراكية (العربية) .. الأمة (العربية ).. الهوية(العربية) .. وهكذا ... يضيف لكل شئ كلمة عربي
هنا يكمن الجمود الفكري للمنظومات العقائدية الأصولية والتقدمية ..
بعد هذا التحليل البسيط للمنهج الأصولي والتقدمي نخلص إلا أنهم في نهاية المطاف عقائديين هددوا ويهددون بصورة أو بأخرى القيم الديمقراطية المرجو سيادتها في الدولة الحديثة ..
لا ندعي أننا من انتبه لمثالب هذه الأفكار فعالميا انتهج العالم على المستوى الفلسفي أنماط تفكير أخرى عقب الثورات المعرفية وظهور دعاوى الإصلاح و التنوير بقيادة فلاسفة وعلماء تطورت أفكارهم و أبرز هذه المناهج هو نظرية المعرفة أو الأبستمولوجيا (epistemology) التي تبنى على أساس القطيعة المعرفية مع التراث وهو منهج قائم على المعرفة و يقف موقف واضح ضد العقائدية الآيديولوجية ويمكن إعتبار فلسفة الوسط نوع من أنواع الأبستمولوجيا و منهج التحليل الاستنباطي .
من منطلق موقع الحزب الإتحادي الديمقراطي كحزب وسطي برامجي ضد العقائدية فقد كان حريا به تأطير منهج تفكيره وإن كان الشخص الإتحادي ليس بحاجة للتذكير بأن لا ينجرف مع التيار العقائدي الذي يخلق الإستقطابات الحادة وسط الناس ولكن لا بد من تبيان أننا كإتحاديين ديمقراطيين مختلفون جدا عن الآخرين بطريقة تفكيرنا الوسطية الديناميكية .. فلسفة الوسط لا تعني بالتأكيد المنزلة بين المنزلتين و لا تعني بالضرورة إن خيروك بين أمرين أن تختار الأمر الوسط .. ولكن تعني التفكير بصورة بعيدة عن الإلزام والتقوقع وبحركية وقبول واسع لكافة إتجاهات العقل الإنساني وتحليلها ومقارنتها وإنتاج الأفضل منها .. تعني إيجاد الموضع الذي يستوعب أكبر قدر من العقول غير المتطرفة .. أن تكون وسطياً يعني أن تكون في المقام الأول بعيداً عن التطرف والعقائدية و أن لا تحجر عقلك وتنفي أن تكون هناك زاوية أخرى للرؤية لم تصلها أنت فتدرك أنك يجب أن تترك الفرصة للآخر ليعبر عن زاوية رؤيته ومن هنا أنت تؤمن بالحرية و بالديمقراطية اللبرالية لترك مساحة للتعبير عن الآخر بإيمان عميق أن هذا الآخر قادر على إثراءك أنت أولاً فتكون مهيئاً لأن تقبل الجديد إذا أقنعك .
فلسفة الوسط منهج تفكير وتحليل ضد الجمود الفكري وهي فلسفة برامجية ديناميكية تتحرك في إطار واسع من الأفكار يمينا و يسارا لتخرج ذبدة هذه الأفكار ولتخلق وتبدع نوع من التوافق مع الواقع بعقلانية ترفض الخيال الآيديولوجي الزائف ولا ترفض التفكير و التخطيط للمستقبل .. ترفض الانكفاء على التراث ولا ترفض التفكر فيه واستخلاص عبره .. فلسفة عقلانية أساسها تحليل الواقع بالإتزان الفكري والمزاجية السوية ..
ولما كان الحزب الاتحادي الديمقراطي هو حزب الشخصية السودانية المعتدلة المزاج كان أساس تفكيره أن الشخصية السودانية أصلاً شخصية وسطية بطبيعتها المتسامحة مع الآخر والمتعايشة مع جميع أشكال التعدد و الاختلاف .. فلأن نمط التدين السوداني هو نمط وسطي قائم على تسامح التصوف لم نلحظ أبداً أن السودان كان تربة صالحة لقيام جماعة متطرفة دينيا و لا ضد الدين و نلاحظ أن كل المتطرفين والعقائديين أفكارهم وافدة على الشعب السوداني ولم تخرج منه .. وهذا ما يعضد رأي الحزب الاتحادي الديمقراطي أنه نواة هذه الأمة وجنينها البكر فكان طبيعيا أن يمثل هو التيار الوسطي العريض للشعب السوداني ..
ولأن الوجدان السوداني هو نتاج التلاقح الثقافي للتعددات الموجودة بالوطن كان واضحا أن الشعب السوداني هو من يؤمن بفطرته بترك الفرصة للآخر ليعبر عن نفسه و أن يستقي منه ما يعضد موقفه المعين فكان أن صاغ هذا النمط من التفكير هذه الشخصية السودانية كنتاج لتلاقح وتعايش التعددات الدينية والثقافية والعرقية وغيرها .. فلم نلحظ أبدا أن الشعب السوداني بفطرته الوسطية غير الملوثة بأفكار العقائدية الوافدة مهيأ للإحتراب على أسس التفرقة الدينية والعنصرية بل يعتبر التعدد و الاختلاف مصدر ثراء له شكل وما زال يشكل وجدانه السليم المعافى و إن عبثت به أيدي دخيلة على طبيعة تفكيره الوسطية التي تتقبل الآخر وتتفاعل معه ..
· جوهر فلسفة الوسط كمنهج تفكير :
- أساس فلسفة الوسط أن تجافي التطرف والنهج العقائدي الإلغائي .
- التحرك في إطار واسع من التفكير السياسي والاجتماعي وتهيئة العقل لتقبل الجديد .
- وجود يمين الوسط إلى جانب يسار الوسط أمر يدفع حركية فلسفة الوسط وانفتاحها .
- هناك دائماً زاوية أخرى للرؤية وجب أن تؤخذ في الاعتبار والاعتراف بحق الآخر أن يعبر عن زاوية رؤيته . و الإعتراف بأن العقل عاجز عن إدراك المطلق وأن التفكير أمر نسبي يتكامل بالتفاعل والحوار .
- الإيمان بإمكانية تبني أي فكرة طالما هي توائم الواقع وفيها حل لاشكالاته .
- ليس هناك ما يحجر عقلك طالما أنت تفكر بضميرك الإنساني السليم .
- المعرفة بند أساسي قبل أن تفكر وجب عليك أن تعرف معرفة حقيقية .
- الواقع هو ساحة التحليل .. وهو قابل للتغيير تحت أي ظروف .
- عالميا انتهج الناس فلسفة الوسط للحيلولة دون العقائدية وذلك بمسميات أخرى كنظرية المعرفة ( epistemology) وأحيانا بدون مسمى ولكن بالفطرة الانسانية السليمة الرافضة للتسلط والقمع كنتاج طبيعي لطبيعة التفكير العقائدي الإلغائي .
· تجليات فلسفة الوسط في الفكر الاتحادي :
- من مسلمات الحزب الاتحادي الديمقراطي أن الثابت الوحيد فيه هو الوطنية وهذا لأن الوطنية ليست إنتاج عقلي و إنما هي شعور وجداني ينمو بطبيعة بشرية عادية ( فإن كانت إنتاج عقلي لكانت متحركة ) .. وأن الديمقراطية ثابت إلى حين إنتاج العقل الإنساني لنظام حكم أمثل .. دون ذلك ليس هنالك ثابت فكل البرامج والأفكار تقع في إطار المتحرك على اعتبار أن العقل دائما قادر على انتاج الأفضل وهو دائم التفكير ومتحرك مع كل ثانية من الزمن وهذه الحركية هي من سمات فلسفة الوسط كما أسلفنا .
- تجليات حركية فلسفة الوسط تظهر في البرنامج الاقتصادي للحزب الممتد من اللبرالية الإجتماعية في يمين الوسط مرورا بالإشتراكية الديمقراطية إلى الإشتراكية الفابية في يسار الوسط .. وإخضاع هذه البرامج للوسائل الديمقراطية والأساليب البرلمانية ..
- الدولة المدنية تعبر بصورة نموذجية عن نمط التفكير الوسطي القائم على النسبية وتقبل الآخر فهي تجافي أصولية الدولة الثيوقراطية الزائلة وتقدمية الدولة العلمانية الزائفة وهذا لا يعني رفض فلسفة الوسط للعلمانية أو الدين ولكن للتقوقع في الخيال الآيدولوجي الزائف .. هي دولة المواطنة والمساواة أمام القانون والحرية في التعبير عن الآراء وهي بذلك تثري العقول بالحوار والتلاقح والتعايش وتنتج الأفضل لإنسانها وهذه أسس فلسفة الوسط .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Adbox